السيد هاشم البحراني

162

البرهان في تفسير القرآن

يهتف بكم . أطعموا السائل الغريب المجتاز . فلم تطعموه شيئا ، واسترجع واستعبر وشكا ما به إلي ، وبات طاويا حامدا صابرا ، وأصبح لي صائما ، وبت - يا يعقوب - وولدك ليلكم شباعا وأصبحتم وعندكم فضلة من طعامكم . أو ما علمت - يا يعقوب - أني بالعقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع مني بها إلى أعدائي ، وذلك مني حسن نظر إلى أوليائي ، واستدراج مني لأعدائي ، أما وعزتي لأنزلن بك بلواي ، ولأجعلنك وولدك غرضا لمصائبي ، ولأؤدبنك بعقوبتي ، فاستعدوا لبلائي وارضوا بقضائي ، واصبروا للمصائب » . قال : أبو حمزة : فقلت لعلي بن الحسين ( عليه السلام ) : متى رأى يوسف الرؤيا ؟ فقال : « في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وولده شباعا ، وبات فيها ذميال جائعا ، رآها فأصبح فقصها على يعقوب من الغد ، فاغتم يعقوب لما سمع من يوسف الرؤيا مع ما أوحي إليه : أن استعد للبلاء ، فقال ليوسف : لا تقصص رؤياك هذه على إخوتك ، فإني أخاف أن يكيدوا لك ، فلم يكتم يوسف رؤياه ، وقصها على إخوته » . فقال علي بن الحسين ( عليه السلام ) : « فكانت أول بلوى نزلت بيعقوب وآله الحسد ليوسف لما سمعوا منه الرؤيا التي رآها - قال - واشتدت رقة يعقوب على يوسف ، وخاف أن يكون ما أوحى الله إليه من الاستعداد للبلاء إنما ذلك في يوسف ، فاشتدت رقته عليه وخاف أن ينزل به البلاء في يوسف من بين ولده . فلما أن رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف من إكرامه وإيثاره إياه عليهم ، اشتد ذلك عليهم ، وابتدأ البلاء فيهم ، فتأمروا فيما بينهم ، وقالوا : * ( لَيُوسُفُ وأَخُوه أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ ) * ، * ( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْه أَبِيكُمْ وتَكُونُوا مِنْ بَعْدِه قَوْماً صالِحِينَ ) * أي تتوبون ، فعند ذلك قالوا : * ( يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ ) * ، * ( أَرْسِلْه مَعَنا غَداً يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ) * قال يعقوب : * ( إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِه وأَخافُ أَنْ يَأْكُلَه الذِّئْبُ وأَنْتُمْ عَنْه غافِلُونَ ) * حذرا منه عليه أن تكون البلوى من الله على يعقوب في يوسف وكان يعقوب مستعدا للبلوى في يوسف خاصة » . قال : « فغلبت قدرة الله وقضاؤه ونافذ أمره في يعقوب ويوسف وإخوته ، فلم يقدر يعقوب على دفع البلاء عن نفسه ولا عن يوسف وإخوته ، فدفعه إليهم وهو لذلك كاره ، متوقع البلاء من الله في يوسف خاصة ، لموقعه من قلبه وحبه له فلما خرجوا به من منزله لحقهم مسرعا ، فانتزعه من أيديهم وضمه إليه ، واعتنقه وبكى ، ثم دفعه إليهم وهو كاره ، فانطلقوا به مسرعين مخافة أن يأخذه منهم ثم لا يدفعه إليهم ، فلما أمعنوا مالوا به إلى غيضة أشجار ، فقالوا : نذبحه ونلقيه تحت هذا الشجر فيأكله الذئب الليلة . فقال كبيرهم : * ( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وأَلْقُوه فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْه بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) * . فانطلقوا به إلى الجب ، فألقوه في غيابت الجب وهم يظنون أنه يغرق فيه ، فلما صار في قعر الجب ناداهم ، يا ولد رومين « 1 » أقرئوا يعقوب مني السلام ، فلما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض : لا تفرقوا من هنا حتى تعلموا - أنه قد مات - قال - فلم يزالوا بحضرته حتى أيسوا * ( وجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَه الذِّئْبُ ) * . فلما

--> ( 1 ) في « س » : يا ولد رسول اللَّه .